ابن قيم الجوزية
393
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وسرور قلوبهم ، ولذة أرواحهم . كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « وجعلت قرة عيني في الصلاة » وكان يقول : « يا بلال أرحنا بالصلاة » . فقرة عين المحب ولذته ونعيم روحه : في طاعة محبوبه . بخلاف المطيع كرها ، المتحمل للخدمة ثقلا . وفي قوله : « ذل الإكراه » لطيفة . وهي أن المطيع كرها يرى أنه لولا ذل قهره ، وعقوبة سيده له لما أطاعه . فهو يتحمل طاعته كالمكره الذي قد أذله مكرهه وقاهره . بخلاف المحب الذي يعدّ طاعة محبوبه قوتا ونعيما ، ولذة وسرورا فهذا ليس الحامل له ذل الإكراه . والثاني : تحفظه من مرض الفتور . أي توقيه من مرض فتور قصده وخمود نار طلبه . فإن العزم هو روح القصد ، ونشاطه كالصحة له . وفتوره مرض من أمراضه . فتهذيب قصده وتصفيته بحميته من أسباب هذا المرض الذي هو فتوره . وإنما يتحفظ منه بالحمية من أسبابه . وهو أن يلهو عن الفضول من كل شيء . ويحرص على ترك ما لا يعنيه . ولا يتكلم إلا فيما يرجو فيه زيادة إيمانه وحاله مع اللّه ولا يصحب إلا من يعينه على ذلك . فإن بلي بمن لا يعينه فليدرأه عنه ما استطاع ، ويدفعه دفع الصائل . الثالث : نصرة قصده على منازعات العلم . ومعنى ذلك : نصرة خاطر العبودية المحضة . والجمعية فيها ، والإقبال على اللّه فيها بكلية القلب ، على جواذب العلم ، والفكرة في دقائقه ، وتفاريع مسائله وفضلاته . أو أن العلم يطلب من العبد العمل للرغبة والرهبة والثواب ، وخوف العقاب . فتهذيب القصد : تصفيته من ملاحظة ذلك ، وتجريده : أن يكون قصده وعبوديته محبة للّه بلا علة ، وأن لا يحب اللّه لما يعطيه ويحميه منه . فتكون محبته للّه محبة الوسائل ، ومحبته بالقصد الأول : لما يناله من الثواب المخلوق . فهو المحبوب له بالذات . بحيث إذا حصل له محبوبه تسلّى به عن محبة من أعطاه إياه . فإن من أحبك لأمر والاك عند حصوله . وملّك عند انقضائه . والمحب الصادق يخاف أن تكون محبته لغرض من الأغراض . فتنقضي محبته عند انقضاء ذلك الغرض . وإنما مراده : أن محبته تدوم لا تنقضي أبدا ، وأن لا يجعل محبوبه وسيلة له إلى غيره . بل يجعل ما سواه وسيلة له إلى محبوبه . وهذا القدر هو الذي حام عليه القوم ، وداروا حوله وتكلموا فيه وشمّروا إليه . فمنهم من أحسن التعبير عنه . ومنهم من أساء العبارة . وقصده وصدقه يصلح فساد عبارته . ومن الناس : من لم يفهم هذا كما ينبغي . فلم يجد له ملجأ غير الإنكار . واللّه يغفر لكل من قصده الحق واتباع مرضاته . فإنه واسع المغفرة . منزلة الاستقامة ومن منازل « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » منزلة « الاستقامة » . قال اللّه تعالى : إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ( 30 ) [ فصّلت : 30 ] وقال : إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 13 ) أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ